ابن عطية الأندلسي

327

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يدخل ، فرض لها أو لم يفرض ، بهذه الآية » ، وقال الزهري : « لكل مطلقة متعة ، وللأمة يطلقها زوجها » . وقال سعيد بن جبير : « لكل مطلقة متعة » . وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة : « جعل اللّه تعالى المتاع لكل مطلقة بهذه الآية ، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة ، وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها » . قال القاضي أبو محمد : ففر ابن القاسم رحمه اللّه من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء ، والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع ، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم . وإذا التزم ابن القاسم أن قوله وَلِلْمُطَلَّقاتِ عمّ كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد . وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيب اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن . قال القاضي أبو محمد : فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في هذا العموم . فهذا يجيء قوله على أن قوله تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ البقرة : 237 ] مخصصة لهذا الصنف من النساء ، ومتى قيل إن العموم تناولها فذلك نسخ لا تخصيص ، وقال ابن زيد : « هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة ، لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 236 ] فقال رجل : فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع ، فنزلت : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فوجب ذلك عليهم » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : هذا الإيجاب هو من تقويل الطبري لا من لفظ ابن زيد . وقوله تعالى : حَقًّا نصب على المصدر ، و الْمُتَّقِينَ هنا ظاهره أن المراد من تلبس بتقوى اللّه تعالى ، والكاف في قوله كَذلِكَ للتشبيه ، وذلك إشارة إلى هذا الشرع والتنويع الذي وقع في النساء وإلى إلزام المتعة لهن ، أي كبيانه هذه القصة يبين سائر آياته ، و لَعَلَّكُمْ ترجّ في حق البشر ، أي من رأى هذا المبين له رجا أن يعقل ما يبين له . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 243 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) هذه رؤية القلب بمعنى : ألم تعلم ، والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر الذين ، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين ، وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك هي أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد ، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد ، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك ، فأماتهم اللّه ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 190 - 244 ] الآية ، وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن جماعة من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ، فخرجوا من ديارهم فرارا منه ، فأماتهم اللّه ، فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطا ، حتى إذا بليت عظامهم بعث اللّه حزقيل النبي عليه السلام ، فدعا اللّه فأحياهم له ، وقال السدي : « هم أمة كانت قبل واسط في قرية يقال لها